الشيخ محمد هادي معرفة
155
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
« فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً » . « 1 » هذه الكلمة « تغشّاها » تغشّاها رجلها . أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير . وألفاظ أخرى تقرأُها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداءً وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول : « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » . « 2 » « عسعس » هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوّرا بكلّ ما فيه . « وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ ومسموع . إنّك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك . فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنّك تسمع الألفاظ تتفجّر ، وترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة . اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد : « وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ » . « 3 » إنّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأَرض الخراب . والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لايترجم . إنّه قرآن في لغته . أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا » « 4 » وفي هذا تحديد فاصل .
--> ( 1 ) - الأعراف 189 : 7 . ( 2 ) - التكوير 17 : 81 و 18 . ( 3 ) - الحاقة 6 : 69 - 7 . ( 4 ) - يوسف 2 : 12 .